جلال الدين السيوطي

54

العرف الوردي في أخبار المهدي

ثمّ قال ابن القيم : وفي الباب عن حذيفة بن اليمان وأبي أمامة الباهلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد اللّه بن عمرو بن العاص وثوبان وأنس بن مالك وجابر وابن عباس وغيرهم « 1 » ، ثم أورد عدّة أحاديث رواها بنصّ أهل السنن والمسانيد وغيرها ، منها ما هو صحيح ، ومنها ما هو ضعيف ، أورده للاستئناس به . ثم قال : وهذه الأحاديث أربعة أقسام : صحاح وحسان وغرائب وموضوعة ، وقد اختلف الناس في المهدي عن أربعة أقوال : أحدها : أنّه المسيح بن مريم . واحتجّ أصحاب هذا القول بحديث محمّد بن خالد الجندي المتقدّم ، وقد بيّنا حاله ، وأنّه لا يصحّ ، ولو صحّ لم يكن به حجّة ؛ لأنّ عيسى أعظم مهديّ بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وبين الساعة ، وقد دلّت السنّة الصحيحة عن النّبي صلّى اللّه عليه وآله على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق « 2 » ، وحكمه بكتاب اللّه ، وقتله اليهود والنصارى ، ووضعه الجزية ، وإهلاك أهل الملل في زمانه ، فيصحّ أن يقال : لا مهدي في الحقيقة سواه وإن كان غيره مهديا ، كما يقال : لا علم إلّا ما نفع ، ولا مال إلّا ما وقى وجه صاحبه ، وكما يصحّ أن يقال : إنّما المهدي عيسى بن مريم ، يعني : المهدي الكامل المعصوم « 3 » .

--> ( 1 ) . المنار المنيف : 143 رقم 328 . ( 2 ) . أي : نزول عيسى كما في شرح مسلم للنووي 8 : 82 ، وعون المعبود 7 : 117 ، وفيض القدير 6 : 23 رقم 8262 ، وتاريخ دمشق 1 : 244 . وأمّا ما ذكره بعد ذلك من حكمه بكتاب اللّه ، وقتله اليهود والنصارى ، ووضع الجزية ، فهو ثابت للمهدي عليه السّلام بالروايات الصحيحة المتقدّمة ، والآتية في العرف الوردي ، ففي عبارة ابن القيم تشويش وخلط بين الآثار . ( 3 ) . المنار المنيف : 148 رقم 339 . وهذا الكلام من ابن القيّم وغيره غير تامّ ، فإنّ اقتداء عيسى بالمهدي في صلاته أعظم دليل على أفضلية المهدي ، وأنّه أعظم حجّة ، لأنّه ليس المراد بالاقتداء إمامة الصلاة ، وإنّما -